خطر الإعلام في طمس المعالم

بقلم: محمود موسى مصطفى

المصدر: المركز السوري لبحوث الرأي العام

تستخدم بعض وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة العربية منها والأجنبية أسماء غريبة لمحافظات ومدن ومناطق وقرى وأماكن سورية لم نسمع بها من قبل، ولا وجود لها على الخارطة الجغرافية للجمهورية العربية السورية.

وتداول هذه الأسماء الغريبة أثناء اللقاءات والحوارات التلفزيونية مع السياسيين والمحللين لا معنى له فهي ليست رديفاً لغوياً للأسماء الحقيقية أو لها أي جذور أو أصول تاريخية أو جغرافية، والتي يروج لها عن قصد أو غير قصد في النشرات الإخبارية على القنوات الفضائيات، هو خطأ كبير وإجحاف بحق السوريين ووحدة تراب بلادهم، ولكن على الأغلب تحمل في طياتها معانٍ كثيرة، ومشاريع خطيرة على المدى البعيد، يراد لها أن تكون اللبنة الأولى للتقسيم والتجزئة ديموغرافياً وجغرافياً وسياسياً في أي بلد، حيث تسوق ويتم تداولها لتمحى من ذاكرة المواطنين وسكان البلد الأصليين الأسماء الحقيقية لأماكن مسقط رأسهم، وهذا سيؤدي ويؤسس لمشروع استعماري وقضم أو احتلال وضم منطقة أو إقليم بكامله.

ولدينا تجارب سابقة في هذه المضمار عندما استولت تركيا على مناطق وقرى شمال سورية وضمتها لها وسلبت فيما بعد لواء اسكندرون، وقام العدو الصهيوني بعد حرب عام 1967م بتدمير وطمس معالم القرى العربية بالجولان وأستوطنها وأطلق عليها أسماء جديدة وفي إعلامه كان ومازال يسوق عن "هضبة الجولان" أو "مرتفعات الجولان"، وهذا يعني بأنه اختصر المطالبة بالحقوق السورية بالجولان العربي السوري إلى بقعة أرض صغيرة بضع كليومترات مربعة، وهذا الأمر خطير، وينسف حقوقنا الكاملة بالجولان العربي السوري بجغرافيته وحدوده الطبيعية، مع غض النظر عن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجائر والباطل بضم الجولان لإسرائيل والقرار المذكور لا أحد يعترف به.

وفي المناطق الشمالية والشمالية الشرقية من سورية التي سيطر عليها ما يسمى حزب العمال الكردستاني وفصائله المحظورة في أكثر دول العالم، حيث قام الحزب المذكور والمجموعات التابعة له، بعملية تغيير أسماء عدد من المدن العربية إلى أسماء كردية، ومنها مدينة القحطانية إلى "تربي سبية"، ومدينة رأس العين إلى "سريه كانييه"، ومدينة القامشلي إلى "قامشلو" وجبل عبد العزيز في الحسكة إلى اسم جبل "قزوان"، ومدينة الحسكة إلى "روج آفا"، وعين العرب إلى "كوباني"، وأطلقوا أسماء كردية جديدة على الساحات العام والشوارع والمدارس وغير ذلك، ورفعوا أعلامهم على المباني والمراكز الحكومية التي سيطروا عليها، لوضع سيناريوهات مستقبلية لإقامة كيان سياسي انفصالي أو حكم ذاتي له أجندات خطيرة على وحدة وأمن سورية أرضاً وشعباً.

وفي هذا السياق تأتي الفتن والعواطف الكاذبة من تل أبيب منبع الإرهاب والإجرام تتباكى على الأكراد وتدين الغزو التركي، وهدفها زعزعة الأمن والاستقرار في سورية، حيث كتب آريه الداد في صحيفة معاريف مقالاً بعنوان "لهذا... على الإسرائيليين أن يكونوا أكراداً" وذلك على خلفية خيانة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للأكراد، وانطلاق عملية "نبع السلام" العسكرية التركية على الأراضي السورية، وطالب الداد المجتمع الدولي "بحق تقرير المصير للأكراد"، وتناسى حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني القابع تحت الاحتلال منذ عام 1948م، أما رئيس وزرائه بنيامن نتنياهو فعبر عن غضبه من الغزو التركي، وقد يحتاج الأخير أن يتعلم دروس بالجغرافية السورية عندما قال: "إسرائيل تشجب بشدة الغزو العسكري التركي للمحافظات الكردية في سوريا وتحذر من تطهير عرقي للأكراد على أيدي تركيا ومنفذي أوامرها، ستبذل إسرائيل كل جهد لتقديم المساعدة الإنسانية للشعب الكردي الشجاع"، واستخدام بنيامين نتنياهو لتسمية "المحافظات الكردية" ما هي إلا دعوة خبيثة ودعم للانفصال وتقسيم وتجزئة سورية.

 واجتاح الجيش التركي مناطق في الشمال السوري عام 2016م وقام بطرد فصائل ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" كما أدعى أصحاب القرار وعناصر حزب العمال الكردستاني والمجموعات الموالية له والمصنفة مجموعات إرهابية بالنسبة لتركيا، وعلى أثر ذلك تم تدمير وتهجير أكثر من /50/ قرية سورية في مناطق الشمال السوري، واحتلال عفرين والباب وجرابلس وإعزاز وعدد  كبير من المناطق والقرى المحيطة بهم، وسبق وقامت أنقرة قبل الاجتياح المذكور بالتعاون مع ما يسمى "حكومة المعارضة" منذ بداية الأزمة السورية بعملية "التتريك"، والتغيير الديموغرافي لأسماء المدن والمناطق والساحات العامة بأسماء تركية جديدة، ثم قام الجيش التركي المحتل فيما بعد بتوطين المنحدرين من أصول تركمانية والمهاجرين الآسيويين وبعض السوريين المهجرين من الداخل السوري الذين لهم ارتباطات وثيقة مع تركيا، ومن المدن والمناطق التي تم تتريكها مدينة الباب أطلق عليها اسم "بولنت البايراك" وبلدة الراعي "جوبان باي" وجبل عقيل في ريف اللاذقية باسم "بايربوجاق"، وفي عفرين تم تغيير اسم الساحة الرئيسية إلى ساحة "أتاتورك" وهناك مناطق وقرى أخرى أيضاً، وتم افتتاح مجموعة مراكز خدمية ومنشآت تعليمية في المدن المحتلة منها أفرع للبريد التركي ونصب أبراج لشبكات الاتصال التركية، وجامعات وكليات باختصاصات متعددة، وأفرع وأكاديميات إسلامية تركية، ومنها أكاديمية "باشاك شهير الإسلامية التركية" حيث أنشأت فرعاً لها في مدينة الباب، بالتعاون مع بلدية باشاك شهير في اسطنبول التابعة لحزب العدالة والتنمية، وفي مدينة إعزاز افتتحت "جامعة الشام العالمية" وتضم أربعة كليات وهي "كلية الهندسة، وكلية العلوم السياسية، وكلية الشريعة والقانون، وكلية الإدارة والاقتصاد" بالتعاون مع هيئة التعليم العالي التركية.

وإدارياً تناط إدارة المناطق المحتلة لضباط أتراك يسمى "والي" وكل والي على منطقة، بالإضافة إلى نقاط ومراكز عسكرية بين المدن والمناطق السورية المحتلة، واتخذ الجيش التركي المئات من المدارس مقرات عسكرية له ومراكز للتجنيد الإلزامي، وتم تحويل بعض المدارس إلى سجون وأماكن للتعذيب والعزل في المناطق التي يحتلها ومنها سجن "سجو" في منطقة إعزاز.

ورفعت الأعلام التركية وعلقت صور رجب طيب أردوغان على مداخل المدن وعلى المراكز الحكومية والمنشآت التعليمية وفي الساحات العامة، وفرضت أنقرة اللغة والمناهج التعليمية باللغة التركية، بالإضافة إلى تسهيلات لمنح الجنسية التركية لآلاف السوريين المقيمين في تركيا، ومن المؤكد أنه سيتم ترحيل هؤلاء اللاجئين السوريين إلى المناطق الآمنة، أرض الميعاد التي وعد بها أردوغان اللاجئين السوريين الموالين له لتوطينهم بها، وربما يعاد درس لواء اسكندرون السليب مستقبلاً ويفعل الأتراك فعلتهم.

ومن الناحية الاقتصادية فرض الاحتلال التركي الحظر على البضائع والمواد الغذائية السورية واستبدلها بالمواد التركية قسراً، وذلك لتحسين وضع اقتصاده، وفرض التعامل بالليرة التركية في الأسواق السورية المحتلة.

وفي تقرير أصدرته لجنة حقوق الإنسان المستقلة التابعة للأمم المتحدة والمؤرخ في الـ 31 كانون الثاني 2019م نقلته قناة "بي بي سي"، جاء "أن أكثر من 50 مجموعة مسلحة منتشرة في شمال سوريا تقوم بأعمال السلب والنهب والخطف والتعذيب وترويع حياة السكان وخاصة في مدينة عفرين وحولت حياة الناس إلى جحيم لا يطاق".

وأخيراً لا بد من ربط الماضي مع الحاضر لئلا يعيد التاريخ نفسه والاستفادة من الدروس السابقة ويعتبر سلاح الإعلام المعادي في عصرنا الحالي هو الأخطر على الشعوب في طمس المعالم والحقائق واللعب على وتر القوميات والمذاهب والطوائف وغير ذلك، من أجل تحقيق مصالح الدول الاستعمارية، وكما هو ملاحظ فإن قادة الصهاينة والأتراك الحاليين ليسوا بأفضل من أجدادهم بسجلاتهم الإجرامية والدموية المتوارثة، ولهم أطماع بكل شبر في الأراضي السورية والعربية أيضاً، ومخططاتهم الاستعمارية لن تنته إلا بالوعي الثقافي والحس الوطني لدى الشعب والنضال والكفاح المسلح بجميع أشكاله لدرء الأخطار عن الوطن.