خطاب التوعية وتوعية الخطاب

المصدر: المركز السوري لبحوث الرأي العام

بقلم: جمال ظريفة

على مر التاريخ، وفي كل زمان ومكان، كان هناك أشخاص محددون بالعدد والصفات يقودون البقية الباقية من مجتمعاتهم ويمتلكون صفات معينة جسمانية أو عقلية، يطلق عليهم اسم "القادة، الدعاة، العارفون، الراسخون في العلم،.. الخ" إلى أن وصلنا إلى عصرنا وتمت تسميتهم "المثقفون والنخب" من كتاب وشعراء وإعلاميين وفنانين ومعلمين، وصولاً إلى كل شخصية عامة.

وبطبيعة الحال ليس بالضرورة أن يكون أيُّ شخص مثقف أو متعلم أو من النخبة المتعلمة قائداً للرأي، وإن امتلك صفات قائد الرأي، فقد لا يمتلك الأدوات اللازمة للسيطرة والتأثير مثل "الكاريزما"، أو لا يدرك دوره وطبيعة المرحلة التاريخية التي يعيشها والمتطلبات الواجب عليه تلبيتها خدمة لوطنه ومجتمعه وتوعية شعبه ومن حوله.

الباحث عن قائد رأي من هذه النخب قد يعود أدراجه خالي الوفاض لقلّتهم أو لعدم أخذهم دورهم الحقيقي لأسباب كثيرة، وقد نجد ناشطاً ( فيسبوكيا)  لا يحمل شهادة يوجّه آلاف الأشخاص إلى حيث يريد ولا يريدون، ويتبع معهم سياسة غريزة القطيع بالاعتماد على الغرائز، والأمثلة أكثر من أن تحصى، والكل رأى ردة الفعل على تمثال عشتار على شجرة.

النخب المثقفة حصرت دورها في أزقة ضيقة من ندوات ثقافية وتعليمية أو مدرجات جامعية وحتى مسارح.. وعلى أهمية تلك الأماكن إلا أنها لا تكفي ولا تفي بالغرض، فالواجب الانطلاق إلى ساحات الوطن، والعمل على تعميم مفاهيم تنقصنا كنا نظن أننا نمتلك ناصيتها لتأتي هذه الأزمة المجنونة وتنسف مجموعة قيمية لدى فئات كثيرة من السوريين.

مفاهيم كثيرة تنتظر من يشرحها ويعممها ويرسخها كالمواطنة مثلا، وعلاقة الفرد بمجتمعه وبمؤسسات الدولة، ليس بالخطابة الحماسية على المنابر بل بشرح واع نركز فيه على مشكلة معينة ونعالجها من مختلف جوانبها كل وفق اختصاصه لا يتعدى أحد على اختصاص لا يفقه فيه شيئاً مثلما نشاهد على شاشاتنا الوطنية: الشاعر يتحدث عن الاقتصاد والاقتصادي عن النثر والإعلامي عن الطب.

طبعا لا أحد يضاهي وسائل الإعلام التي يتربع على عرشها التلفاز إضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي بدأت تأخذ دور الريادة في القيادة ، وهنا يبرز دور النخب المثقفة في التوعية بموضوعية والشرح المستفيض وإنارة أي قضية من كل جوانبها حتى تصبح من ثقافة الشعب والمسلمات، وأن تكون هذه النخب القدوة والرائدة في كل شيء، فبهؤلاء المثقفين والمبدعين نبني الأوطان.

وعلى تلك النخب الابتعاد عن الجدل في اللغة، ومخاطبة الفئات كل وفق مفهومه وقدرته على الاستيعاب والتقبل، وسوق أمثلة واقعية تقنع بها المتلقي بسهولة ويسر، وفي المقلب الآخر على المختصين تأمين المنابر الإعلامية اللازمة وتقديم هذه النخب بما تستحق، فلدينا من القامات ما ترفع لها القبعة وتنحني لها القامات.

 

*