العقوبات الأمريكية والرد عليها

بقلم: محمود موسى مصطفى

المصدر: المركز السوري لبحوث الرأي العام

اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية خططاً استعمارية جديدة لاستكمال مشاريعها بالهيمنة السياسية والاقتصادية على الدول التي تتعارض مع سياستها المتغطرسة مع بداية مطلع العام الجديد 2020م، حيث وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الجمعة 20/12/2019م على ميزانية الدفاع للعام 2020م، وتم تخصيص قسم من الأموال لتنفيذ مجموعة قوانين وعقوبات على سورية ودول المنطقة والصين، وذلك بعد مصادقة مجلس الشيوخ الأمريكي عليها في 17/12/2019م بغالبية ساحقة.

العقوبات الأمريكية والهدف منها:

تم إصدار قانون عقوبات على الشركات المساهمة في مشروع "السيل الشمالي-2" لضخ الغاز من روسيا إلى ألمانيا، ومشروع "السيل التركي"، والهدف من هذه العقوبات الحد من تمدد النفوذ الروسي في أوروبا.

وسبقه قانون عقوبات على الصين، لمواجهة ما يسمى "الاعتقال التعسفي والتعذيب والمضايقة" التي يتعرض لها مسلمو الإيغور، وبحجة أن حكومة بكين احتجزت الملايين منهم في منطقة شينجيانغ الغربية، وكان هناك قانون عقوبات أيضاً قبل ذلك وقعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدعم المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية في هونغ كونغ.

وتعاني الجمهورية الإسلامية الإيرانية من عقوبات كثيرة فرضت عليها من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، وشددت الأخيرة عقوباتها، والتي وصفت بأكثر العقوبات تشدداً، وجاءت على أثر خلفية الهجمات الصاروخية التي استهدفت يوم السبت 14/9/2019م المنشآت النفطية لشركة أرامكو في المملكة العربية السعودية، وحمّلت واشنطن المسؤولية لطهران، التي نفت أي صلة لها بالهجوم، وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 20/9/2019م فرض عقوبات جديدة على طهران استهدفت النظام المصرفي الإيراني، حيث أعتبرها الرئيس ترامب بأنها "العقوبات الأقسى على الإطلاق ضد أي دولة"، وتلاها تهديد عسكري أمريكي، عندما أعلن الرئيس ترامب "إن الولايات المتحدة الأمريكية جاهزة دائماً لعمل عسكري ضد إيران".

وحول العقوبات التي فرضت على الجمهورية العربية السورية فهي كثيرة، حيث تعتبر سورية من دول الصدارة الخاضعة للعقوبات، ففي سنوات الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، تعرضت سورية لعقوبات جائرة وحصار اقتصادي خانق، نتيجة مواقفها تجاه القضايا الوطنية والعربية، ودعمها للشعب الفلسطيني في قضيته العادلة بتقرير مصيره وتحقيق دولته المستقلة على أرضه، بالإضافة لدعم قضايا دول العالم العادلة.

وبعد اندلاع ما يسمى "ثورة الربيع العربي" في 15/3/2011م دخلت سورية في مخاض الأزمة، وبدأت العقوبات السياسية والاقتصادية تتهاوى على البلد من كل مكان، وأهم هذه العقوبات هي:

م

العقوبة

الجهة التي فرضتها

تاريخها

1

عقوبات على المسؤولين السوريين، وحظر السلاح

الاتحاد الأوروبي

10/5/2011

2

حظر السفر على رئيس الدولة

الاتحاد الأوروبي

24/5/2011

3

عقوبات على مسؤولين إيرانيين ومجموعة حمشو

الاتحاد الأوروبي

24/6/2011

4

عقوبات على وزارة النفط، وعلى مسؤوليين

الاتحاد الأوروبي

2/9/2011

5

البنك المركزي السوري، سيرياتيل، قناة الدنيا التلفزيونية

الاتحاد الأوروبي

24/9/2011

6

حظر تصدير المعدات النفطية وبرامج الكمبيوتر

الاتحاد الأوروبي

1/12/2011

7

عقوبات على مسؤولين عسكريين ومؤسسات

الاتحاد الأوروبي

23/1/2012

8

حظر على مؤسسات الدولة والمعادن والاتصالات

الاتحاد الأوروبي

27/2/2012

9

تجميد أصول39 مؤسسة، على عقوبات على مسؤولين

الاتحاد الأوروبي

1/3/2012

10

حظر سفر على مسؤولين وزوجة الرئيس

الاتحاد الأوروبي

23/3/2012

11

عقوبات اقتصادية وعلى البنك المركزي والتجاري

جامعة الدول العربية

27/11/2011

12

حظر سفر على مسؤولين سوريين

استراليا

7/2/2012

13

حظر التعامل مع البنك المركزي ومسؤولين

كندا

5/3/2012

14

حظر التعامل مع البنك المركزي

تركيا

30/11/2011

15

حظر التعامل التجاري، وتجميد أموال مسؤولين بالدولة

الولايات المتحدة الأمريكية

29/4/2011

16

عقوبات على مسؤولين سوريين بالدولة

الولايات المتحدة الأمريكية

18/5/2011

17

عقوبات على المصرف التجاري السوري، وسيريتل

الولايات المتحدة الأمريكية

10/8/2011

18

تجميد الاستثمارات، واستيراد النفط السوري

الولايات المتحدة الأمريكية

18/8/2011

19

عقوبات على مؤسسة الإسكان العسكرية، والعقاري

الولايات المتحدة الأمريكية

1/12/2011

20

إغلاق سفارة واشنطن بدمشق وسحب العاملين منها

الولايات المتحدة الأمريكية

6/2/2012

21

عقوبات على الدول والشركات والاقتصاد السوري وغير ذلك (قانون سيزر)

الولايات المتحدة الأمريكية

23/12/2019

 

وقد وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قانون "قيصر" لحماية المدنيين في سورية، والذي يفرض عقوبات موسعة على الدولة السورية وداعميها: جمهورية روسيا الاتحادية، والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وجاء القانون بعد مخاض 3 سنوات في أروقة الكونغرس الأمريكي، وبدعم من ناشطين ومعارضين سوريين في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد عمل هؤلاء على الضغط على الكونغرس ودوائر صناعة القرار الأمريكي، مقابل مبالغ تجاوزت مليوني دولار أمريكي، تم جمعها من الجالية السورية في أمريكا، وتطال العقوبات الأمريكية الشخصيات السياسية والعسكرية وأصحاب القرار، والاقتصاد السوري بكامله وكل من يدعم أو يتعامل مع الدولة السورية، أشخاصاً كانوا أو شركات أو دول، ويعتبر قانون "قيصر" ساري المفعول لمدة /10/ سنوات، والملفت للانتباه خبث من صاغ قانون العقوبات بأنه يمكن استخدامه لفرض عقوبات جديدة تشكل ضغطاً أكثر على الحكومة السورية والدول الداعمة لها.

 

رد الدول المعنية بالعقوبات الأمريكية:

جاءت ردود الدول المعنية على العقوبات الأمريكية على الشكل التالي:

رد الاتحاد الأوروبي:

أغضبت العقوبات الأمريكية الاتحاد الأوروبي وألمانيا بالذات، حيث صرحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل: "أن بلادها ستعارض العقوبات الأمريكية على الشركات المشاركة في إنشاء مشروع "السيل الشمالي-2" لأنها عقوبات عابرة للحدود ونحن ضدها".

ومشروع "السيل الشمالي-2" هو خط أنابيب لنقل الغاز الروسي إلى ألمانيا، وتقدر صادرته السنوية بـ/55/ مليار متر مكعب، وتعود الفائدة الاقتصادية منه على الحكومة الروسية، ويعتقد أصحاب القرار في البيت الأبيض بأن "مشروع السيل الشمالي-2" يدعم ويزيد نفوذ روسيا السياسي والاقتصادي في أوروبا.

رد جمهورية روسيا الاتحادية:

أزعجت العقوبات الأمريكية روسيا وكان هناك شعور بالإحباط لدى القيادة الروسية من تصرفات الكونغرس والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث صرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: "بأننا سنرد على العقوبات لكن بطريقة لا تلحق الضرر بنا، لكن الرد سيأتي لا محال، وسنأخذ الأمر في عين الاعتبار عند بناء علاقاتنا بمجملها"، كما عبر الوزير لافروف عن ثقته بأن مشروع "السيل الشمالي-2" سيتم استكماله، على الرغم من التهديدات الأمريكية، وقال:

"أولاً: أنا مقتنع بأن الأوروبيين يفهمون مصالحهم التجارية.

ثانياً: هم معنيون بهذا المشروع من وجهة نظر ضمان أمن الطاقة على المدى الطويل.

ثالثاً: لاشك أنهم تعرضوا للإهانة، وقد صدرت تصريحات بما في ذلك من برلين تدل على أن مفهوم الكرامة واحترام الذات لا يزال قائماً لدى شركائنا الأوروبيين".

رد جمهورية الصين الشعبية:

وصفت وزارة الخارجية الصينية العقوبات الأمريكية بـ "الخطوة الشريرة" وطالبت الولايات المتحدة الأمريكية عدم التدخل في الشؤون الداخلية للصين.

وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، هوا تشونيانغ في بيان رسمي "إن مشروع قانون العقوبات هذا يشوه عمداً حالة حقوق الإنسان في شينجيانغ، ويشوه جهود الصين في القضاء على التطرف ومكافحة الإرهاب، ويهاجم بشراسة سياسة الحكومة الصينية في شينجيانغ".

وسبق ذلك خطوات وتحركات عملية صينية جريئة رداً على مشروع قانون هونغ كونغ، إذ علقت زيارات سفن البحرية الأمريكية والطائرات إلى هونغ كونغ، وفرضت عقوبات على جماعات حقوق الإنسان التي تتخذ من الولايات المتحدة الأمريكية مقراً لها.  

رد الجمهورية الإسلامية الإيرانية:

جاء الرد الإيراني على العقوبات الأمريكية عملياً وذو أهمية كبرى، حيث تجاوز حدود المنطقة بتحالفه القوي مع دولتين عظميين وهما روسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية، حيث أعلنت طهران يوم 29/12/2019م توقيع مجموعة مذكرات تفاهم دفاعية بحرية مع موسكو وبكين، والتي سيكون لها نتائج إيجابية على مستوى التعاون البحري بين الدول الثلاث، وأجريت مناورة بحرية مشتركة بين الحلف الجديد في بحر عُمان والمحيط الهندي، وفي اليوم التالي من المناورة صرح اللواء محمد باقري رئيس هيئة الأركان الإيرانية للتلفزيون الإيراني، "إن القوات المسلحة المقتدرة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، في تآزر ومواءمة لا مثيل لها مع الاستخبارات الوطنية، لن تسمح للعملاء المدعومين من قبل المثلث الخبيث، أمريكا وإسرائيل والأنظمة الرجعية في المنطقة باستعراض عضلاتها، ومن خلال أخذ زمام المبادرة الاستراتيجية، فإن أي خطأ حسابي ومغامرة للمثلث الشرير سيواجه برد حازم وقاصم يجعلهم يندمون على فعلتهم".

رد الجمهورية العربية السورية:

تمكنت سورية في الفترة الماضية بالاستفادة من موقعها الجغرافي، وإنتاجها الزراعي والصناعي، بالإضافة للدعم المالي من المغتربين لذويهم في داخل سورية من تجاوز آثار الحصار المفروض عليها.

ومن وجهة نظر الخبراء والمختصين في الشأن الاقتصادي، أن العقوبات الجديدة المفروضة على سورية لن تخلق شيئاً أسوأ، بل على العكس ستخلق فرصاً مختلفة للتعاون مع سورية، وكسر الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمي، سواء من قبل روسيا أو الصين أو إيران أو الدول المتعاونة مع سورية.

وفي هذا السياق اعتبرت المستشارة السياسية والإعلامية في رئاسة الجمهورية بثينة شعبان "بأن "قانون قيصر" لن يؤثر على الاقتصاد السوري، وأن سورية اعتادت على مواجهة التحديات، وأن "قانون قيصر" جزء من حرب نفسية ضد الشعب السوري، وإن دمشق تنسق مع حلفائها لمواجهة الضغوط الأمريكية الاقتصادية والسياسية، وهم لديهم إجراءات خاصة للالتفاف على القانون الأمريكي".

وأخيراً:

تنفرد الولايات المتحدة الأمريكية بقراراتها باعتبارها القطب الواحد على الساحة الدولية وفي إدارة السياسة العالمية، فكثفت تواجدها العسكري في المنطقة العربية منذ بداية العام الجديد، وهي بحالة الجاهزية الكاملة لقواتها، خاصة بعد التوتر العسكري مع إيران على خلفية عملية اغتيال الفريق قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، وأبو مهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي العراقي، وعدد من كوادر الحشد صباح يوم الجمعة 3 كانون الأول من الشهر الحالي، بالقرب من مطار بغداد، وهذا النهج الأمريكي الفريد من نوعه في شخصية الرئيس دونالد ترامب الدكتاتورية والمزاجية والغباء المطلق في اتخاذ القرارات، التي تتناسب مع مصالحه الشخصية ومصلحة إسرائيل العليا؛ قد يؤدي لنشوب حرب عالمية ثالثة في المنطقة قريباً، ومصير تنفيذ العقوبات الأمريكية أو عدمها مرتبط بإرادة الشعوب ودعمها لمحور المقاومة لإنهاء تواجد القوات الأمريكية في المنطقة، وستساعد التفاهمات الصينية الروسية الإيرانية على خلق توازنات جديدة بالمنطقة والعالم.